ابن أبي الحديد

79

شرح نهج البلاغة

ثم ذكر له أن البارئ تعالى قديم سابق للأشياء ، لا سبقا له حد محدود ، وأول معين ، بل لا أول له مطلقا . ثم قال : وهو مع هذا آخر الأشياء ، آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة . ثم ذكر أن له ربوبية جلت عن أن تحيط بها الابصار والعقول . وقد سبق منا خوض في هذا المعنى ، وذكرنا من نظمنا في هذا النمط أشياء لطيفة ونحن نذكر ها هنا من نظمنا أيضا في هذا المعنى ، وفي فننا الذي اشتهرنا به ، وهو المناجاة والمخاطبة على طريقة أرباب الطريقة ما لم نذكره هناك ، فمن ذاك قولي : فلا والله ما وصل ابن سينا * ولا أغنى ذكاء أبى الحسين ولا رجعا بشئ بعد بحث * وتدقيق سوى خفي حنين لقد طوفت أطلبكم ولكن * يحول الوقت بينكم وبيني فهل بعد انقضاء الوقت أحظى * بوصلكم غدا وتقر عيني ! منى عشنا بها زمنا وكانت * تسوفنا بصدق أو بمين فإن أكدت فذاك ضياع ديني * وإن أجدت فذاك حلول ديني . ( 1 ) ومنها : أمولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن * غدا محرقا بالنار من كان يهواكا أتجمع لي نارين : نار محبة * ونار عذاب أنت أرحم من ذاكا ! ومنها : قوم موسى تاهوا سنين كما قد * جاء في النص قدرها أربعونا ( 2 ) ولي اليوم تائها في جوى من * لا أسمي وحبه خمسونا قل لأحبابنا إلام نروم * الوصل منكم وأنتم تمنعونا

--> ( 1 ) أ : " أجدب " . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر " ( الأعراف : 142 ) .